نظريات الإبداع

قبل التطرق إلى نظريات الإبداع علينا التعرف على مفهوم الإبداع وعناصر تحقيقه وجوانبه، ليتسنى لنا تقديم شرح وافٍ لنظريات الإبداع بالاستعانة ببعض الدراسات.

إن الإبداع هو القدرة على ابتكار أفكار أو حلول أو أعمال جديدة ومفيدة من خلال دمج معلومات أو خبرات سابقة بطرق غير مألوفة. إنه التفكير “خارج الصندوق” لتحويل الخيال إلى واقع ملموس، ويشمل مجالات متعددة كالفن والرياضة والعلوم والإدارة والتكنولوجيا وغيرها، حيث يتطلب الإبداع عدة عناصر لتحقيقه بفاعلية:

  • الحداثة: تقديم شيء غير تقليدي أو غير مسبوق.
  • الفائدة: أن تكون الفكرة أو المنتج قابلًا للتطبيق وذا قيمة.
  • الطلاقة: القدرة على توليد عدد كبير من الأفكار في وقت قصير.
  • المرونة: القدرة على تغيير زاوية التفكير والتكيف مع المعطيات الجديدة.

قد يعتبر البعض عدم وجود الكثير من الحقائق أمرًا سلبيًا، إلا أن العكس هو الصحيح؛ فالتعددية بحسب كوزبلت وبيغيتو ورنكو (2010) تعطي مجالًا أوسع لفهم مختلف القضايا والقوانين المرتبطة بأي علم من العلوم، من خلال مناقشة عدة وجهات نظر وتجريب أكثر من منهجية في البحث لمحاولة فهم ظاهرة ما، خاصة إذا كانت متعددة الأبعاد كالإبداع.

فما الذي نعنيه عندما نتحدث عن الإبداع؟ هل نقصد بذلك العملية أو مجموعة العمليات العقلية التي يستخدمها الأفراد المبدعون للوصول إلى الفكرة الإبداعية؟ أم ربما نقصد به المنتج الملموس الذي يتميز بالأصالة والفاعلية؟ أم أننا مهتمون بالعوامل البيئية المشجعة على الإبداع كالتقبل وتشجيع الأفكار الجديدة وتوفير بيئة نفسية آمنة؟ لذا فإن من المهم أولًا الحديث عن أوجه الإبداع أو جوانبه لكي نكون محددين ودقيقين فيما نشير إليه عند استخدامنا لهذا المصطلح.

أما نظريات الإبداع، فعلم الإبداع يشترك مع غيره من العلوم النفسية والتربوية (وحتى ما يعرف بالعلوم الصلبة كالفيزياء) في وجود عدد قليل من الحقائق مقابل عدد كبير من الافتراضات التي غالبًا ما يطلق عليها النظريات.

إن الجانب الآخر المهم عند الحديث عن نظريات الإبداع هو التطرق إلى مستويات الإبداع: هل الإبداع مستوى واحد أم أن هنالك عددًا من المستويات؟ لذا، وقبل التطرق للنظريات الأساسية للإبداع، سيتم الحديث عن جوانب الإبداع ومستوياته لتسهيل فهم النظريات المختلفة حوله.

يعتبر تصنيف رودس (1961) لمجالات دراسة الإبداع الأكثر شهرة واستخدامًا في الأبحاث. وبحسب رودس فإنه يمكن تقسيم جوانب الإبداع إلى: العملية الإبداعية، والمنتج الإبداعي، والشخصية المبدعة، والبيئة الإبداعية. ووفقًا لرودس “يشير مصطلح العملية إلى الدافعية، والإدراك، والتعلم، والتفكير، والتواصل”. أما مصطلح الشخصية المبدعة “فيغطي معلومات حول الشخصية، والطباع، وبنية الجسم، والسمات، والعادات، والاستعدادات، ومفهوم الذات، ونظام القيم، والميكانزمات الدفاعية، والسلوك”. وقد وفّر رودس تعريفًا بسيطًا للمنتج الإبداعي حين قال: “عندما تتحول الأفكار إلى شيء ملموس يطلق عليها منتج”. أخيرًا، عرّف رودس البيئة الإبداعية بأنها “العلاقة بين الإنسان والمحيط الذي يعيش فيه. إن المنتج الإبداعي هو نتيجة لأنواع محددة من القوى التي تلعب دورًا لدى الأفراد كلما تقدموا في العمر”.

وقد أضاف سايمونتون جانبًا خامسًا لدراسات الإبداع هو الإقناع، ويعني به أهمية إقناع المبدع للآخرين بأصالة فكرته أو منتجه وقيمتهما؛ فكم من الأفكار المبدعة لم تُقدَّر نتيجة عدم اهتمام المبدع بالتواصل الفعال مع الآخرين. وإدراكًا من بول تورانس لأهمية عنصر التواصل وإقناع الآخرين بالفكرة أو المنتج الإبداعي، ضمّ إلى نموذجه لحل المشكلات بطرق إبداعية التواصلَ مع الآخرين فيما يتعلق بالنتائج. أما إدوارد دي بونو (1985) فقد أشار في برنامج المفكر البارع إلى استراتيجية الجلد، التي تعني أننا إذا لم نعتنِ بطريقة عرض أفكارنا فإن روعة نتائج تفكيرنا قد تذهب هباءً.

وإضافة إلى العملية الإبداعية، والمنتج الإبداعي، والشخصية المبدعة، والبيئة الإبداعية، والإقناع، أضاف مارك رنكو جانبًا سادسًا هو الإمكانية الإبداعية، ويعني به جانب دراسات الإبداع وتطبيقاته الذي يركز على كل ما يحصل قبل وصول الفرد إلى الإنتاجية الإبداعية أو المنتج الإبداعي، وهو الجانب الذي قد يكون أكثر أهمية للتربويين وأولياء الأمور الذين يتعاملون مع مرحلة الطفولة، إذ إن الاهتمام بالإمكانية الإبداعية يعزز فرص الفرد في الإبداع مستقبلًا، والعكس صحيح.

خلاصة القول أن بعض نظريات الإبداع ركزت على الشخص المبدع، بينما اهتمت نظريات أخرى بدراسة كيفية تشكل المنتج الإبداعي، مع وجود بعض النظريات التي حاولت دراسة الجوانب الأخرى للإبداع وتفسيرها.

إن إدراك وجود مستويات وجوانب مختلفة للإبداع سيساعدنا في فهم نظريات الإبداع الآتية:

أولًا: النظريات النمائية

تركز النظريات النمائية على الشخص المبدع، والبيئة الإبداعية، والإمكانية الإبداعية، وتتدرج من مستوى الميني-سي إلى البرو-سي. ومن المواضيع التي تهتم النظريات النمائية بالتطرق إليها الخلفية الأسرية وحياة الأشخاص المبدعين ضمن الأسرة. كما تهتم بأساليب تنشئة المبدعين وطرقها التي ترتبط بالإبداع لاحقًا، كالتعرض لخبرات متنوعة والاستقلالية والاعتماد على الذات. وتناولت العديد من الأبحاث النمائية قضايا تتعلق ببناء أسرة المبدع، كترتيب ولادة المبدع بين إخوته، والفترة الزمنية بين الإخوة والأخوات، وحجم الأسرة، وغيرها من المتغيرات المتعلقة ببناء الأسرة أو تكوينها.

وقد أشار فرانسيس جالتون إلى أن الطفل الأول في الأسرة غالبًا ما يحصل على فرص نمائية أكثر مقارنة ببقية إخوته، إلا أن هنالك عددًا من الدراسات النمائية التي بيّنت أن الأطفال الذين يولدون في الوسط قد يكونون أكثر إبداعًا، حيث يقودهم موقعهم في الأسرة إلى التفكير في بدائل أخرى لجذب انتباه الوالدين، منها التمرد على القوانين، وهو ما يكون على نطاق الأسرة في مرحلة الطفولة، إلا أن ذلك قد يساعدهم مستقبلًا في تحدي الافتراضات والوضع الراهن لخلق بدائل وحلول غير مألوفة. ومن مجالات الأبحاث النمائية المتعلقة بالإبداع العلاقة بين الإبداع واللعب، وكيف يكون التعليم من خلال اللعب مشجعًا ومحفزًا للطفل على التفكير بطريقة إبداعية، وينمي لديه مهارات الطلاقة والمرونة والأصالة، وما خصائص البيئة المشجعة على الإبداع وسماتها.

ثانيًا: النظريات السيكومترية

لا تهتم النظريات السيكومترية (القياس النفسي) بوصف الجوانب النمائية للأفراد أو عمليات التفكير أو الدافعية، بل ينصبّ اهتمامها على قياس الإبداع بمختلف جوانبه (العملية، والمنتج، والشخصية، والبيئة) ومستوياته. وبما أن النظرية السيكومترية تركز على قياس الإبداع، فإن اهتمامها منصبّ على توفير مقاييس صادقة وثابتة لمختلف جوانبه. ويمثل الصدق دقة قياس الأداة للغرض الذي صممت لأجله، أما الثبات فيعني الدقة في إعطاء النتائج نفسها إذا تكرر القياس على الشخص نفسه عدة مرات في ظروف متشابهة، وليس هنا مجال التفصيل في أنواع الصدق والثبات.

وعلى مر السنوات طوّر عدد من الباحثين مجموعة من المقاييس التي تهدف إلى قياس جوانب الإبداع المختلفة. ففي جانب العملية العقلية تبرز عدة مقاييس، لعل أهمها اختبارات تورانس للتفكير الإبداعي (Torrance Tests of Creative Thinking) التي تقيس عددًا من قدرات الإبداع هي: الطلاقة، والمرونة، والأصالة، والتفاصيل، وتجريد العناوين، ومقاومة الإغلاق المبكر، إضافة إلى قائمة قوة الإبداع التي تضم ثلاثة عشر مؤشرًا. وقد صدرت النسخة الأخيرة من اختبار تورانس عام 2017. ومن الأمثلة الأخرى لاختبارات العملية الإبداعية: اختبارات جيلفورد، واختبارات والاك وكوجان، واختبار ميدنك للارتباطات البعيدة، وبطارية رنكو للإبداع.

أما مقاييس الشخصية المبدعة فقد تكون أكثر المقاييس تنوعًا؛ حيث يقيس بعضها الإدراك الإبداعي، مثل قائمة كاتينا-تورانس للإدراك الإبداعي (Khatena-Torrance Creative Perception Inventory)، ويقيس بعضها جوانب معينة في الشخصية، كمقياس الانفتاح في قائمة نيو للشخصية (Openness Scale of the NEO Personality Inventory)، كما يقيس بعضها الآخر الأسلوب والسلوك الإبداعي.

وفيما يتعلق بقياس المنتج الإبداعي فهنالك أيضًا أكثر من منهجية مستخدمة، لعل أشهرها أسلوب التقييم التوافقي (Consensual Assessment Technique) الذي يقوم من خلاله الخبراء في مجال معين (كالموسيقى مثلًا) بتقييم المنتجات الموسيقية لعدد من الأشخاص في ضوء معايير محددة. كما تتوفر عدة مقاييس لتقدير الأعمال والمنجزات الإبداعية، كقائمة المنتج الإبداعي (Creative Product Inventory; Taylor & Sandler, 1972)، ونموذج تقييم المنتجات الطلابية لريس ورنزولي (Student Product Assessment Form; Reis & Renzulli, 1991).

أخيرًا، ومن أجل قياس المناخ الإبداعي، طوّر عدد من الباحثين مقاييس تهدف إلى قياس جوانب معينة في البيئة الإبداعية، ومنها على سبيل المثال أداة قياس المناخ الإبداعي (Assessing the Climate for Creativity; Amabile, 1995)، ومقياس بيئة العمل (Work Environment Inventory; Amabile & Gryskiewicz, 1989).

ثالثًا: نظريات المكونات والمراحل

تتميز نظريات المكونات والمراحل بتركيزها على العملية الإبداعية، وتشمل مستويات الإبداع جميعًا من الميني-سي وحتى الإبداع الكبير. ولعل أشهر هذه النظريات أو النماذج نموذج والاس للعملية الإبداعية الذي يتألف من أربع مراحل:

  1. التحضير: وهي مرحلة ما بعد الإحساس بالمشكلة، يكرّس فيها المبدع وقته للبحث عن مصادر ومعلومات تتعلق بالمشكلة التي تواجهه أو التي يسعى لحلها، كما تتضمن هذه المرحلة تعريف المشكلة.
  2. الاحتضان: وتتضمن قضاء الفرد بعض الوقت من غير التفكير في المشكلة التي يسعى لحلها.
  3. الإشراق: وتظهر إذا كان الاحتضان فعّالًا، ويظهر فيها الحل بشكل مفاجئ.
  4. التحقق: يقوم فيها المبدع بالتحقق من الحل أو مجموعة الحلول التي نتجت عن مرحلة الإشراق.

أما النموذج الشهير الآخر تحت مظلة نظريات المكونات فهو نموذج أمابيل للمكونات، ويتكون من ثلاثة عوامل:

  1. مهارات مرتبطة بالمجال.
  2. مهارات مرتبطة بالإبداع.
  3. الدافعية.

فبحسب أمابيل، لكي يبدع أي شخص يجب أن تكون لديه مهارات مرتبطة بالمجال الذي يعمل فيه كالرياضيات أو الفيزياء أو الرسم. والمجموعة الأخرى من المهارات الضرورية هي المهارات المرتبطة بالإبداع كالطلاقة والأصالة والمرونة في التفكير. أما العنصر الثالث فيكمن في وجود دافعية داخلية لدى الفرد من أجل تحقيق العمل المبدع.

رابعًا: النظريات المعرفية

تركز النظريات المعرفية في الإبداع على العملية الإبداعية بشكل أساسي وعلى الشخص المبدع. فمن الصعب التفكير في الأداء أو الإنجاز الإبداعي دون افتراض وجود أساس معرفي لهذه الإنجازات، كما أن من الصعب التفكير في الأشخاص المبدعين دون افتراض أنهم يملكون قدرات معرفية متقدمة. ومن أشهر النظريات المعرفية النظرية الترابطية لميدنك، الذي اهتم بوصف كيفية ترابط الأفكار بعضها مع بعض لتكوين استنتاجات أصيلة. وتقوم نظرية ميدنك على فكرة الارتباطات البعيدة، أي أن الأفراد المبدعين يختلفون عن الأقل إبداعًا في قدرتهم على توليد ارتباطات أكثر للمثير الواحد. وتبرز النظرية المعرفية الشهيرة الأخرى من خلال نموذج بناء العقل لجيلفورد، الذي أشار فيه إلى وجود 180 قدرة مختلفة، وقد واجه النموذج الكثير من الانتقادات بسبب بعض المشكلات الإحصائية التي وقع فيها، لكن ما يهم هنا هو قدرات التفكير التباعدي التي أشار إليها جيلفورد والتي ساعدت الكثير من الباحثين في قياس العملية العقلية.

وتهتم النظرية المعرفية أساسًا بالطرق المختلفة التي يدرك بها الأفراد الأشياء والوقائع وكيف يفكرون فيها، وهذا يتعلق بما يسمى الأساليب المعرفية (Cognitive Styles)، وهي الطرق التي يلجأ إليها الأفراد في تحصيلهم للمعلومات من البيئة؛ فالمبدع يُنظر إليه هنا على أنه يقبض بإحكام وبطريقة نشطة على بيئته، فهو ليس مجرد مستقبِل سلبي لما تقدمه له هذه البيئة.

والإبداع وفق هذه النظرية لا يمثل أقسامًا مختلفة من العلاقة الترابطية، ولكنه يمثل طرائق مختلفة في الحصول على المعلومات ومعالجتها، وطرائق مختلفة أيضًا في الدمج بين هذه المعلومات من أجل البحث عن الحلول والإنتاجات الإبداعية الأكثر كفاية. ومن ثم فإن التركيز على عمليات الإدراك وطرق المعرفة وأساليبها يشكل بؤرة من البؤر التي بدأ منها المنظرون المعرفيون طريقتهم في التعامل مع الظواهر السلوكية، ومن بينها ظاهرة السلوك الإبداعي.

إضافة إلى ذلك، تهتم النظريات المعرفية بدراسة دور الاستبصار والحدس في الإبداع، وبعمليات التفكير المعرفية (كالانتباه والإدراك) وما وراء المعرفية (كالتقييم والتخطيط والمراقبة).

ومن منظّري الاتجاه المعرفي:

بياجيه

حاول بياجيه استكشاف قضية الإبداع وتسليط الضوء عليها من زوايا عدة، مثل أصلها وتشكيلها وآليتها، وهو يرفض أن يكون الإبداع فطريًا، ويرى أن الإبداع ليس مرتبطًا بشكل مباشر بالنمو المعرفي؛ إذ إن النمو المعرفي حق تطوري بيولوجي ونفسي يمارسه جميع الأطفال، ولا يؤدي بالضرورة إلى إحداث الإبداع.

وخلص بياجيه إلى أن هناك ثلاثة شروط لا بد من توافرها لدى الفرد حتى يبدع في مجاله:

  1. أن يعمل الفرد وحده ويتجاهل أي إنسان آخر من حوله، وألا يثق بأي تأثير خارجي.
  2. أن يقرأ الفرد كثيرًا في المجالات العلمية المختلفة خارج نطاق مجاله.
  3. أن يبحث عن خصم.

وفي إطار نظريته البنائية يعزو بياجيه أصول الإبداع إلى عملية التجريد الانعكاسي (Reflective Abstraction)، وهو تجريد لا يقوم على الأشياء نفسها، بل على أفعال الفرد نفسه. والشخصية المبدعة هي تلك الشخصية التي لا تذعن للمألوف ولا تسلّم به طواعية، بل تحاول إثارة الأسئلة حوله، وتعتمد على نفسها بالدرجة الأولى في التعلم والاستكشاف.

أوزبل

يرى أوزبل أن مستوى الإبداع مشابه لمستوى التركيب في المستويات المعرفية ضمن تصنيف بلوم (Bloom) المعرفي، الذي يرى أن التعلم يتم عبر التسلسل الآتي: (المعرفة – الفهم – التطبيق – التحليل – التركيب – التقويم)، حيث إن الإبداع والتركيب يتطلبان إنتاجًا أصيلًا في ضوء خبرات الفرد السابقة.

ويعدّ أوزبل الإبداع نتيجة فريدة تقابل ما يطلق عليه كرونباك (1966) “الكشوف العظيمة”، حيث يتوصل العقل إلى إعادة تنظيم تفسيره على نحو رائع ومفاجئ. ويتفق أوزبل مع كرونباك على أن هذه الكشوف العظيمة نادرة، وأن العلماء التربويين يستطيعون تهيئة الظروف التي تيسّر حدوث هذه النتائج. وتتمثل العملية الإبداعية بالآتي: (التعلم بالاكتشاف – التطبيق – حل المشكلات – الإبداع).

خامسًا: نظريات حل المشكلات بطرق إبداعية

تعدّ النظريات والنماذج التي فسّرت الإبداع على أنه نوع من أنواع حل المشكلات الأشهر في مجال دراسات الإبداع، بل إن جيلفورد نفسه اقترح أن الأشخاص يبدعون بسبب وجود مشكلة أو كرد فعل على وجود مشكلة ما. وترتبط نظريات حل المشكلات بطرق إبداعية بجانبَي العملية الإبداعية والمنتج الإبداعي، إذ إن المنهجية نفسها (أي حل المشكلات) تُستخدم في كثير من الأحيان لابتكار فكرة أو منتج أصيل وملائم. ولعل أشهر نماذج حل المشكلات نموذج أوزبورن-بارنز لحل المشكلات بطرق إبداعية، الذي يفترض وجود ست خطوات أساسية هي:

  1. التعرف على التحديات.
  2. تحديد المشكلة الأساسية.
  3. توليد حلول مقترحة.
  4. توليد المعايير واختيارها.
  5. تطبيق المعايير على الحلول التي تم توليدها.
  6. تطوير خطة عمل.

وقد استخدم تورانس هذه المنهجية في برنامج حل المشكلات المستقبلية، وهو بمثابة مسابقة سنوية تطرح عددًا من المشكلات المستقبلية، ويستخدم الطلبة من خلالها أسلوب أوزبورن-بارنز في حل المشكلات بطرق إبداعية للتوصل إلى حلول لها.

سادسًا: نظريات النظم

ترى نظريات النظم أن الإبداع ينتج من خلال تفاعل مجموعة من العناصر التي يجب أن تؤخذ جميعها بعين الاعتبار من أجل فهم أفضل للفكرة أو السلوك أو المنتج الإبداعي. وغالبًا ما توظف نظريات النظم المنهجية النوعية لفهم الإبداع، وتهتم بكافة جوانبه (العملية، والشخصية، والمنتج، والبيئة) مع تفاوت في الاهتمام ببعض هذه الجوانب، كما تركز غالبًا على الإبداع الكبير.

ومن أشهر هذه النظريات نظرية تشيكسنتميهاي، التي يرى من خلالها أن الإبداع ينتج من تفاعل ثلاثة عناصر هي: المجال، والشخص المبدع، والحقل. ولتجنب أي لبس في ترجمة هذه المصطلحات سيتم التفصيل في معنى كل منها: يقصد بالمجال جانب المعرفة كالكيمياء أو الطب أو التربية، أما الحقل فيقصد به الخبراء في ذلك المجال، والعنصر الثالث هو الشخص المبدع الذي يحاول إقناع الخبراء (الحقل) بقيمة فكرته أو منتجه. ولكي يحدث الإبداع يجب أولًا على الفرد تقديم منتج أو فكرة إبداعية للخبراء في المجال، والخطوة الثانية هي قبول الخبراء للفكرة أو المنتج الإبداعي المقدم من الفرد المبدع، أما الخطوة الثالثة فتتمثل في التغير الذي يطرأ على المجال نتيجة الفكرة الإبداعية التي قدمها الفرد وتبنّاها الخبراء ووافقوا عليها.

سابعًا: النظريات الطبيعية

وهي مجموعة النظريات التي تفسر الإبداع على أساس أنه ظاهرة طبيعية منطقية، وفيما يلي عرض لكل منها:

أفلاطون: الإلهام (Plato: Divine Inspiration)

يرى أفلاطون أنه لا يوجد شيء يسمى الإبداع الشخصي، ولم يركز على قدرات الإنسان العقلية كالذكاء والذاكرة، وإنما توجد قوة خارجية تعمل على وجود الإبداع أطلق عليها اسم “الإلهام”، وتعد هذه القوة سماوية أو إلهية. ودليله على ذلك أنك عندما تكون مشغولًا بمسألة رياضية ولا تستطيع حلها، فتتركها وتنام، ثم يتراءى لك الحل بكامله أثناء المنام، فما الذي أوصلك إلى هذا الحل؟ يعتقد أفلاطون أنها القوة الخارجية التي يسميها الإلهام؛ فقد ربط بين الإبداع والإلهام، فالإبداع عبارة عن قوة إلهية تدفع الشخص وتسيطر عليه، والإلهام يأتي في لحظة وينتهي.

أرسطو: الإبداع كصنع (Aristotle: Creation as Making)

يرى أرسطو أن الموهبة تخضع لقوانين طبيعية، وأنها تأتي من الفن أو الطبيعة أو قد تأتي تلقائيًا؛ فالطبيعة تنتج مواد، وهذه المواد تنتج مواد أخرى تسمى صناعات، وجميع هذه الصناعات تأتي إما من مهارة أو من الأفكار، وقد تحدث بشكل تلقائي أو عن طريق الحظ، وهذه تمثل عمليات الإبداع.

ثامنًا: النظريات الفسيولوجية

ينطلق تفسير النظرية الفسيولوجية للإبداع من علم النفس الفسيولوجي (Physiological Psychology)، وهو العلم الذي يُعنى بدراسة وظائف الأعضاء مع التركيز على الجهاز العصبي للإنسان عامة والدماغ بوجه خاص، ومدى تأثيرها في الإدراك والتعلم والسلوك الاجتماعي الإبداعي. ومن هذه النظريات:

جوزيف بوجين وغلندا بوجين: الإبداع والدماغ المنشطر (Joseph E. Bogen & Glenda M. Bogen: Creativity and the Bisected Brain)

اقترح العالمان أن الإبداع يعتمد على بناء التوصيلات العصبية في الدماغ، المتصلة بعضها ببعض عبر ما يسمى الجسم الجاسئ، الذي يعمل على التعاون بين نصفي كرة الدماغ، كما أشارا إلى أن الإبداع اللغوي ناتج عن عمل النصف الأيسر من الدماغ، وهو أفضل من النصف الأيمن في هذا المجال.

فقد كان هناك تقدم بيولوجي، كما يراه بوجين وبوجين، ذو علاقة مباشرة بالبحث في الإبداعية، وهو اكتشاف ما يسمى “الدماغ المنشطر أو المقسم”، وكان أول من تحدث عن الدماغ المنقسم إلى قسمين سبيري ومعاونوه سنة 1959. ومن خلال التطبيق الخاص الذي قام به الباحثان على الإبداع، نجد أن النصف الأيمن من الدماغ مسؤول عن العمليات الأولية، وهي الأفكار الإبداعية الأصلية، في حين يسيطر النصف الأيسر على العمليات الثانوية.

تاسعًا: النظريات النفسية

التحليل النفسي (Psychoanalysis)

من أهم المفاهيم التي يقوم عليها التحليل النفسي في تفسير الإبداع:

  • الشعور (Consciousness): يُعرَّف بأنه مجموعة الأحاسيس والإدراكات وعناصر الذاكرة التي ترتبط بجميع جوانب الحياة العقلية للفرد، وهو الجانب الأساسي للعملية الإبداعية.
  • عقدة أوديب (Oedipus Complex): تشير إلى مجموعة الرغبات والمشاعر والأفكار اللاشعورية التي تقوم على أساس الرغبة في امتلاك الوالد أو الوالدة من الجنس المقابل، ويُشار إلى وجودها عند الذكور والإناث، ويمكن أن تؤدي هذه العقدة إلى الحصول على الكثير من الأفكار الإبداعية لا سيما في المجال الفني، ولكن نظريات التحليل النفسي تعطي أهمية أقل لهذه العقدة في الوقت الحالي، إذ يجري التأكيد حاليًا على دراسة العلاقة بين الطفل وأمه.
  • اللاشعور (Unconscious): حالة تمتاز بافتقار الوعي أو نقصه بالعمليات الداخلية التي تحدث والتي ترتبط بالجانب الخارجي من الشعور. ويتكون اللاشعور من الدوافع والرغبات والذكريات والصور والنزعات التي تثير القلق إلى حد كبير ولا يمكن قبولها عند مستوى الشعور، ومن ثم يتم تحويلها إلى منطقة اللاشعور وكبتها هناك. والمكبوت يظهر ويكشف عن نفسه من خلال إسقاطه في شكل رمزي مميز في أوجه مختلفة، منها الإبداع الفني.
  • التسامي (Sublimation): يشير إلى العملية التي يتم من خلالها تهذيب الدوافع والاندفاعات البدائية والغريزية والمحرّمة وإعادة توجيهها في شكل سلوكيات جديدة غير غريزية، وقد عُدّت النزعات الإبداعية مظهرًا من مظاهر التسامي.
  • العملية الأولية (Primary Process): تشير إلى الوظائف التي تكون نشيطة عند المستوى الغريزي، وتُصوَّر بوصفها عملية لا شعورية ولا عقلانية تتجاهل الزمان والمكان وتؤدي إلى الأفكار الإبداعية.
  • العملية الثانوية (Secondary Process): تشير إلى النشاطات الشعورية العقلية والمنطقية، وتُصوَّر باعتبارها مرتبطة بشكل وثيق بالأنا (Ego) ومبدأ الواقع، ومن خلالها يتحقق الإبداع.
  • اللاشعور الجمعي (Collective Unconscious): هو جانب اللاشعور من العقل الذي يشترك فيه جميع البشر، وقد افترض يونغ أن هذا اللاشعور موروث وينتقل عبر الأجيال ويترك آثاره في مضمون دماغ الإنسان.

إن جميع المفاهيم السابقة المرتبطة بالتحليل النفسي تحمل في مضمونها ومعانيها صفة الإبداع؛ فهذه الصفة قد تكون نوعًا من الإدراك كما في الشعور، أو موروثة كما في عقدة أوديب أو اللاشعور الجمعي، أو قد تمتاز ببعض جوانب النقص كما في اللاشعور، أو الإخفاء والاستبعاد كما في الكبت، أو التهذيب والاندفاع كما في التسامي، أو نشاطًا غريزيًا كما في العمليات الأولية، أو قد تكون مرتبطة بمفهوم الأنا كما في العمليات الثانوية.

فرويد (Freud)

يشكّل الصراع بين منظومات الشخصية المدخل الأساسي في تفسير النشاط الإبداعي عند فرويد، كما في التسامي والحيل الدفاعية الأخرى كالكبت، والإبداع عنده ما هو إلا استمرار للعب الخيالي وتعبير عن محتويات لا شعورية قد تبدو مرفوضة، ولكنها في الوقت نفسه مقبولة اجتماعيًا.

واتفق مع فرويد في نظرته للإبداع العديد من تلامذته، ومنهم: جونز (Jones)، وإيلا شارب (Ella F. Sharpe)، وفيربيرن (Fairbairn)، ولي (Lee)، بينما عارضه بيرغلر (Bergler) حين أكد أن الإبداع ينتج من الجهود التي تُبذل لمقاومة الرغبات غير المقبولة اجتماعيًا.

نظرية الجشطالت (Gestalt Theory)

ترى هذه المدرسة أن الإبداع هو إعادة دمج المعارف والأفكار بشكل جديد، وتعتمد في تفسير العملية الإبداعية على مفهوم الانغلاق (Closure) الذي يحاول فيه الفرد إكمال الصورة الناقصة في الشيء أو غلق المدركات المفتوحة.

ويرى فرتهايمر (Wertheimer) أن الإبداع نشاط تنتج عنه فكرة جديدة، أو هو استبصار كامل التكوين يأتي للفرد في ومضة. والمفهوم الأساسي لدى أصحاب هذا الاتجاه، أمثال كوهلر (Köhler) وكوفكا (Koffka) وليفين (Lewin)، هو مفهوم الاستبصار، وهو ليس قوة سحرية لخلق الحلول؛ فالموقف يدفع الكائن إلى أن يتصرف بطريقة معينة بالرغم من أنه لا يمتلك الأدوات الخاصة بهذا النشاط مسبقًا، ويتم ذلك من خلال عمليات التنظيم وإعادة التنظيم الإدراكي في سلسلة من المواقف المترابطة. فالتفكير الأصيل هو تنظيم للمدركات وإعادة تنظيم لها أكثر من كونه انعكاسًا للخبرات الإدراكية السابقة، ولكل تنظيم جوانبه المختلفة مثل الاستقرار والتصلب والتعقد وغيرها من الخصائص، والتنظيم ينتج من التفاعل وإعادة التفاعل بين المبدع والبيئة.

والمنظّرون الجشطالتيون ينظرون إلى العملية الإبداعية نظرة كلية تكاملية، وينصحون بعدم تحليلها إلى عناصر جزئية، لأن ذلك قد يفقدها الكثير من الخصوبة أو الثراء المتضمن فيها كعملية كلية.

وينظر ليفين (Lewin) إلى التفكير الإبداعي على أنه ينبع من الاستجابة للقوى التي يتألف منها المجال الذي يعيش فيه الفرد؛ لذلك فالمجال السلوكي هو ذلك الحيز الذي يتعلق مباشرة بالذات وما حولها من موضوعات تثير فيه نوعًا معينًا من الدوافع، فتنشأ التوترات التي تبقى مستمرة إلى أن تنتهي بأعمال أو بإشباع هذه التوترات.

وقد واجهت النظرية الجشطالتية بعض الصعوبات التي تتعلق بتفسيرها للحل الجديد وظهوره فجأة على أساس الحدس (Intuition) وليس على أساس الانتقال المنطقي للعقل. وهكذا نجد أن الحدس، وإن كان يمثل وجهًا من أوجه العملية الإبداعية، فهو إشارة تسبق الحل حينما يكون ذلك الحل مبهمًا ومحتفظًا بطابع لغزي شبه غامض (quasi-énigmatique).

عاشرًا: النظريات الارتباطية

منذ القرن السابع عشر سادت مفاهيم الترابطية في أوروبا كاتجاه يحاول صياغة قضايا السلوك وفق إطار ترابطي تتفق قوانينه مع قوانين الترابط الأساسية، وقد أمكن بفضل هذا الإطار النظر إلى الإبداع على أنه القدرة على وضع الصياغات الجديدة والتوليف بين أفكار قديمة. وترى هذه النظرية أن عملية التفكير المبدع تتمثل في القدرة على تكوين ارتباطات بطريقة تركيبية جديدة أو مبتكرة من أجل مقابلة متطلبات معينة أو تحقيق فائدة. وتعرّف النظرية الارتباطية الإبداع بأنه “تجميع العناصر المترابطة في تشكيلات معينة لمقابلة الحاجات أو لتحقيق بعض الفائدة، وكلما كانت عناصر التشكيلة الجديدة متنافرة وغير متجانسة ازداد مستوى الإبداع في عملية الحل”.

  • أندريه بريتون: قال: “إن جزءًا هامًا من الأصالة يتمثل في القدرة على إطلاق الأفكار من الوقائع المتجاورة”، ويعني هذا القول اعتماد الإبداع على عملية تكوين تداعيات أو ترابطات من الخبرة السابقة وتحويلها إلى تكوينات جديدة.
  • واطسون: يعرّف التفكير الإبداعي بأنه “تفكير غير معتاد يحدث عندما يندمج المرء في حل مشكلة معينة جديدة، وتكون هناك في البداية عدة محاولات للتعلم، وفيه يصل الفرد إلى خلق تكوينات جديدة قد تكون في مجال الأدب كالقصيدة، أو الفنون كاللوحة الفنية، أو الغرض العلمي”، ويتم الوصول إلى الاستجابة الإبداعية عن طريق تناول الكلمات والتعبير حتى نصل إلى نمط جديد منها.

آرثر كوستلر: الارتباط المزدوج في الإبداع (Arthur Koestler: Bisociation in Creation)

يتحدث كوستلر عن فكرة الارتباط المزدوج في الإبداع، وذلك للتمييز بين التفكير الروتيني في اتجاه واحد والحدث الخلّاق المبتكر الذي يعمل فيه الإدراك على مستويين. والمعايير التي يتم بواسطتها تمييز الإبداع ازدواجي الارتباط عن نظيره الروتيني تتمثل في:

  1. الاستقلالية السابقة للمهارات العقلية أو طرق المعالجة البشرية للمواقف التي يتم تحويلها وتجميعها كحدث مبدع.
  2. الحدث الابتكاري الذي يتضمن مستويات متعددة في صيغ معالجة المشكلة.

ومن أهم خصائص الأفكار فردية الارتباط (الاعتيادية) والأفكار ازدواجية الارتباط (الإبداعية) ما يلي:

ت فردية الارتباط ازدواجية الارتباط
1 توجَّه بإجراءات الإدراك المتزايد توجَّه بإجراءات الإدراك الجزئي (المختص)
2 لها اتزان ديناميكي تنشّط عمليات التجديد البيولوجي لعوامل كامنة
3 تكرارية غير مألوفة
4 تتراوح ما بين الجمود والمرونة لديها مرونة جزئية (مختصة)
5 مرتبطة بمكونات تفكير محدودة مرتبطة بمكونات تفكير مستقلة

حادي عشر: النظريات الإنسانية

تنطلق مفاهيم النظرية الإنسانية للقدرات الإبداعية من تأكيدها أن الأفراد جميعًا لديهم القدرة على الإبداع، وأن الاختلافات بينهم اختلافات في الدرجة لا في النوع، وأن تحقيق هذه القدرات لدى الفرد يتوقف على المناخ الاجتماعي الذي يعيشه؛ فإذا كان هذا المناخ حرًا خاليًا من الضغوط وعوامل الكف، فإن الطاقات الإبداعية للفرد ستزدهر وتتفتح، ويحقق بذلك ذاته ويصل إلى مستوى مناسب من الصحة النفسية السليمة.

إريك فروم (Erich Fromm)

أشار فروم إلى أن الاتجاه الإبداعي لدى الأفراد ما هو إلا توجّه منتج (Productive Orientation) يقوم على أساس العلاقات التي يقيمها الإنسان مع العالم الخارجي، ويرى أن الشخص يكون سعيدًا بالتأكيد عندما يبدع شيئًا ما بشكل عفوي وعندما يتّحد مع العالم، ولا سيما المبدعون الذين استطاعوا تحقيق إنسانيتهم وطاقاتهم الإبداعية.

ثاني عشر: نظريات التحليل العاملي

النظرية العاملية نظرية يحاول ممثلوها أن يفسروا ظاهرة معينة في ضوء عدد من العوامل، وقد استعمل هذا الأسلوب عدد كبير من علماء النفس، منهم سبيرمان وبيرت وثومسون وثيرستون وجيلفورد وكاتل وأيزنك وتورانس، ممن قدموا عدة نظريات أو تصورات عن شخصية الإنسان في مجال الإبداع، ومن هذه النظريات:

سبيرمان (Spearman)

اعتمد سبيرمان (1931) في تفسيره لأهم الصفات النفسية التي تحدد المعنى العام للإبداعية على آلاف التجارب التي قام بها هو وأتباعه خلال الربع الأول من القرن العشرين، والتي كانت تهدف في جوهرها إلى الكشف عن أكثر الاختبارات تشبعًا بهذه القدرة. وقد دلت نتائج هذه الدراسات على أن مدى تشبع أي اختبار يرجع في جوهره إلى ثلاث دعائم رئيسة أطلق عليها القوانين الإبداعية، وهي:

  1. قانون إدراك الخبرة الشخصية: (أي خبرة في حياة الفرد تميل به مباشرة إلى معرفة خصائصها ومعرفته هو لنفسه)، ويهدف هذا القانون إلى توضيح المداخل الرئيسة للمعرفة البشرية وموقف العقل منها أيًا كان نوع الخبرة؛ فقد تكون إدراكية في جوهرها وقد تصبح انفعالية.
  2. قانون إدراك العلاقات: (عندما يواجه العقل شيئين أو أكثر فإنه يميل إلى إدراك العلاقة أو العلاقات القائمة بينهما)؛ فالعلاقة بين الوردة الحمراء والدم علاقة لونية تحدد فكرة التشابه القائم بينهما، والعلاقة بين الليل والنهار علاقة تضاد تحدد الاختلاف بينهما.
  3. قانون إدراك المتعلقات: (عندما يواجه العقل متعلَّقًا وعلاقة فإنه يميل مباشرة إلى إدراك المتعلَّق الآخر)، مثل: العلاقة بين الأبيض والأسود كالعلاقة بين النور والظلام. ويدل هذا القانون على عكس الفكرة التي يدل عليها قانون العلاقات، لأنه يستعين بالعلاقة لاستنتاج المتعلَّق المجهول، في حين يستعين القانون السابق بالمتعلقات لاستنتاج العلاقة المجهولة.

وهكذا فإن سبيرمان قد فسّر الإبداع كعملية تعتمد على مفهوم الذكاء.

تورانس (Torrance)

لا شك أن الإبداع كما يراه تورانس يتحدد بمهارات الإنتاج الذي يمتاز بالطلاقة والمرونة والأصالة وإدراك التفاصيل، على النحو الآتي:

  • الطلاقة (Fluency): وتتمثل في قدرة الفرد على إعطاء أكبر عدد ممكن من الاستجابات المناسبة إزاء مشكلة أو مثير معين في فترة زمنية محددة.
  • المرونة (Flexibility): وتتمثل في قدرة الفرد على التفكير في اتجاهات مختلفة تتضمن فئات مختلفة من الاستجابات، على أن يشمل إنتاجه أنواعًا متعددة من الأفكار، وكذلك إمكان تحويل التفكير من مدخل لآخر واستخدام مجموعة من الاستراتيجيات المختلفة.
  • الأصالة (Originality): وتتمثل في قدرة الفرد على إنتاج أكبر عدد من الأفكار الأصيلة الجديدة من الناحية الإحصائية؛ فتكون الفكرة أصيلة إذا كانت فريدة يندر تكرارها، وتمتاز بأنها غير مألوفة أو اعتيادية أو مستقرة.
  • التفاصيل (Elaboration): وتتمثل في قدرة الفرد على إعطاء المزيد من الإضافات لفكرة معينة، وكذلك تطوير الأفكار وتزيينها أو زخرفتها أو تفصيلها بأي من الطرق الممكنة.

وتهتم النظرية بالمميزات والخصائص التي تميز المبدعين، وتبيّن مدى الاختلافات بين الطلبة المبدعين والطلبة الأقل إبداعًا. ومن هنا اقترح تورانس بعض المبادئ والقواعد لتشكيل مناخ تربوي ملائم لتنمية القدرات الإبداعية وتطوير إنتاجها عند التلاميذ:

  1. احترام الأسئلة غير الاعتيادية للتلاميذ.
  2. تشجيع فرص التعلم الذاتي والاكتشاف لدى التلميذ وتعزيزها.
  3. إشراك التلميذ في جلسات التعلم والمناقشات الحرة.
  4. ربط أفكار التلميذ بإطار ذي معنى لمساعدته على إدراك قيمة أفكاره والاعتزاز بها.

نظريات إبداع أخرى

1. نظرية مارش وسايمون (March & Simon, 1958)

فسّرت هذه النظرية الإبداع من خلال معالجة المشكلات التي تعترض المنظمات؛ إذ تواجه بعض المنظمات فجوة بين ما تقوم به وما يفترض أن تقوم به، فتحاول من خلال عملية البحث خلق بدائل. فعملية الإبداع تمر بعدة مراحل هي: فجوة الأداء، وعدم الرضا، والبحث والوعي، والبدائل، ثم الإبداع، وقد عزا الباحثان الفجوة الأدائية إلى عوامل خارجية (كالتغير في الطلب أو التغيرات في البيئة الخارجية) أو داخلية.

2. نظرية بيرنز وستوكر (Burns & Stalker, 1961)

كانا أول من أكد أن التراكيب والهياكل التنظيمية المختلفة تكون فاعلة في حالات مختلفة؛ فقد توصلا إلى أن الهياكل الأكثر ملاءمة هي التي تسهم في تطبيق الإبداع في المنظمات، من خلال النمط الآلي الذي يلائم بيئة العمل المستقرة، والنمط العضوي الذي يلائم البيئات سريعة التغير. كما أن النمط العضوي يقوم على مشاركة أعضاء التنظيم في اتخاذ القرارات، فهو يسهّل عملية جمع البيانات والمعلومات ومعالجتها.

3. نظرية ويلسون (Wilson, 1966)

أوضح فيها أن عملية الإبداع تمر بثلاث مراحل يصبّ هدفها في إدخال تغييرات أساسية في المنظمة، وهي: إدراك الحاجة إلى التغيير وفهمها، واقتراح نوعية التغيير وكميته، ثم تبني التغيير وتطبيقه. وقد افترضت هذه النظرية أن نسبة الإبداع في المراحل الثلاث تتباين بسبب عوامل عدة، من بينها التعقيد في المهمات الرسمية (البيروقراطية)، وتنوع أنظمة الإدارة والقيادة؛ فكلما ازداد عدد المهمات المختلفة في العمل ازدادت المهمات غير الروتينية، مما يسهّل إدراك الإبداع وفهمه بصورة جماعية من قبل جماعات العمل وعدم ظهور صراعات أو تعارض في الأفكار. كما أن الحوافز لها تأثير إيجابي في توليد الاقتراحات وتزيد من مساهمة أغلب أعضاء المنظمة.

4. نظرية هارفي ومِل (Harvey & Mill, 1970)

استفادا مما قدمه كلٌّ من مارش وسايمون وبيرنز وستوكر، فانصبّ تركيزهما على فهم الإبداع من خلال مدى استخدام المنظمات للحلول الروتينية أو الإبداعية لما يُعرف بـ”الحالة والحلول”. فقد وصفا أنواع المشكلات التي تواجهها المنظمات وأنواع الحلول التي قد تطبقها، من خلال: إدراك القضية (المشكلة) عن طريق ما تحتاجه من فعل لمجابهتها أو بلورتها (أي كيفية استجابة المنظمة)، أو البحث بهدف تقدير الأفعال المحتملة التي قد تتخذها المنظمة، أو اختيار الحل (انتقاء البديل الأمثل)، أو إعادة التعريف بمعنى استلام معلومات ذات تغذية راجعة حول الحل الأنسب. إذ تسعى المنظمة إلى وضع حلول روتينية لمعالجة حالات أو مشكلات تم التصدي لها سابقًا (الخبرات السابقة)، بينما تسعى إلى استحضار حلول إبداعية لم تُستخدم من قبل لمعالجة المشكلات غير الروتينية أو الاستثنائية، بتبني الهياكل التنظيمية الميكانيكية والعضوية.

كما تناولا العوامل التي تؤثر في الحلول الإبداعية والروتينية، مثل حجم المنظمة وعمرها، ودرجة المنافسة، ودرجة التغير التكنولوجي، ودرجة الرسمية في الاتصالات؛ فكلما زادت هذه الضغوط تطلّب الأمر أسلوبًا أكثر إبداعًا لمواجهتها.

5. نظرية هيج وإيكن (Hage & Aiken, 1970)

تعدّ من أكثر النظريات شمولية، إذ تناولت المراحل المختلفة لعملية الإبداع فضلًا عن العوامل المؤثرة فيه، وفسّرت الإبداع على أنه تغيّر حاصل في برامج المنظمة يتمثل في إضافة خدمات جديدة، وحددت مراحل الإبداع كالآتي:

  1. مرحلة التقييم: أي تقييم النظام ومدى تحقيقه لأهدافه.
  2. مرحلة الإعداد: أي الحصول على المهارات الوظيفية المطلوبة والدعم المالي.
  3. مرحلة التطبيق: البدء بإتمام الإبداع، مع احتمالية ظهور المقاومة.
  4. مرحلة الروتينية: تحوّل الإبداع إلى سلوكيات ومعتقدات تنظيمية.

أما العوامل المؤثرة في الإبداع فمختلفة وبالغة التعقيد، وهي:

  • زيادة التخصصات المهنية وتنوعها.
  • المركزية.
  • الرسمية.
  • الإنتاج.
  • الكفاءة والرضا عن العمل.

6. نظرية زالتمان وآخرين (Zaltman et al., 1973)

تنظر هذه النظرية إلى الإبداع كعملية تتكون من مرحلتين هما: مرحلة البدء ومرحلة التطبيق، ولكل منهما مراحل جزئية، ويُعدّ الإبداع فكرة أو ممارسة جديدة بالنسبة لوحدة التبني. ووصف أصحابها الإبداع بأنه عملية جماعية وليست فردية، واعتمدوا على نظرية هيج وإيكن، إلا أنهم توسعوا في شرح المشكلة التنظيمية وأضافوا متغيرات أخرى هي: العلاقات الشخصية، وأسلوب التعامل مع الصراع. وحددوا مراحل تفصيلية للإبداع هي:

  1. مرحلة البدء:
    • مرحلة فرعية للوعي بالمعرفة.
    • مرحلة فرعية لتكوين الاتجاهات نحو الإبداع.
    • مرحلة فرعية للقرار.
  2. مرحلة التطبيق:
    • التطبيق التجريبي.
    • التطبيق المتواصل.

وهنالك بالطبع نظريات أخرى فسّرت الإبداع، كالنظريات الاقتصادية، ولعل من أشهرها نظرية استثمار الإبداع لستيرنبرغ ولوبارت، ونظرية الطبقة المبدعة لريتشارد فلوريدا، كما توجد النظرية التطورية (الداروينية) التي تفسر الإبداع من خلال مفهومي التباين والاحتفاظ الانتقائي.

الخلاصة

إن أهم ما يُستخلص مما سبق هو عدم وجود تفسير واحد شامل للإبداع، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن الإبداع ظاهرة متعددة الأبعاد؛ إذ تشمل دراسات الإبداع الفرد المبدع وخصائصه وسماته كالاستقلالية وحب المخاطرة والانفتاح العقلي، كما تشمل العملية الإبداعية، وهي الأدوات العقلية التي يوظفها الشخص المبدع للوصول إلى الفكرة أو المنتج الإبداعي، ويشمل الإبداع كذلك دراسة المنتج الإبداعي وكيفية تشكّله والبيئة المحفزة للإبداع. وإضافة إلى تعدد جوانب الإبداع، فإن الصعوبة الأخرى في وجود نظرية شاملة تكمن في أن للإبداع أكثر من مستوى واحد كما تم التطرق إليه. وبناءً على ذلك ركزت بعض النظريات على العملية الإبداعية كالنظرية المعرفية، وركزت أخرى على الشخص المبدع والظروف المحيطة به كالنظرية النمائية، كما اهتمت بعض النظريات بالمنتج الإبداعي كنظريات النظم، وأخيرًا ركزت النظريات السيكومترية على قياس الإبداع بكافة جوانبه ومستوياته. إن الفهم الجيد لكل هذه النظريات من شأنه توفير قاعدة صلبة لاستيعاب البناء الكامل للإبداع، كما أن من شأنه توليد استبصارات وارتباطات قد تكون مدخلًا لنظريات مستقبلية أكثر شمولًا ودقة.

المراجع

  1. Abdulla, A. M., & Cramond, B. (2017). After six decades of systematic study of creativity: What do teachers need to know about what it is and how it is measured? Roeper Review, 39(1), 9–23.
  2. De Bono, E. (1985). Masterthinker’s handbook: A guide to innovative thinking. London, England: Penguin Books.
  3. Florida, R. L. (2012). The rise of the creative class, revisited. New York, NY: Basic Books.
  4. Kaufman, J. C., & Sternberg, R. J. (Eds.). (2010). The Cambridge handbook of creativity. New York, NY: Cambridge University Press.
  5. Kozbelt, A., Beghetto, R. A., & Runco, M. A. (2010). Theories of creativity. In J. C. Kaufman & R. J. Sternberg (Eds.), The Cambridge handbook of creativity (pp. 20–47). New York, NY: Cambridge University Press.
  6. Rhodes, M. (1961). An analysis of creativity. Phi Delta Kappan, 42(7), 305–310.
  7. Runco, M. A. (2014). Creativity: Theories and themes: Research, development, and practice (2nd ed.). San Diego, CA: Academic Press.

بقلم: الأستاذ الدكتور محمود داود الربيعي – جامعة المستقبل/ كلية التربية البدنية وعلوم الرياضة – العراق

الأكاديمية الرياضية العراقية

اشترك في نشرة الأكاديمية الرياضية العراقية

أحدث البحوث والمقالات والدورات والفعاليات العلمية الرياضية، تصلك مباشرة إلى بريدك.


اكتشاف المزيد من الاكاديمية الرياضية العراقية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركونا تعليقاتكم حول الموضوع،،

تابعونا عبر البريد الالكتروني
تابعونا عبر LinkedIn
تابعونا عبر LinkedIn
Share