كرة القدم للحياة لا للموت.. متى تصبح الملاعب ساحة طوارئ؟

بقلم: ماجد محمد مصطفى

كنا نلعب كرة القدم في الأزقة، ثم الفرق الشعبية، وصولاً إلى الأندية. لم تكن لدينا في البداية ملاعب مثالية، ولا أحذية رياضية متطورة، ولا أجهزة تراقب اللياقة البدنية… هاجسنا الوحيد كان الإصابات، وتمثلت أخطرها بنظرنا في كسور الساق بالخصوص، ولم تكن الرضوض أو حتى الالتواءات شيئاً خطيراً، حيث ينهض اللاعب بمساعدة زملائه، أو يغادر الملعب متألماً ثم يعود بعد أيام أو أسابيع إلى معشوقته.

بيد أن كرة القدم تحمل لنا اليوم مشاهد مختلفة ومآسي تتجاوز حدود الإصابة الرياضية المعتادة؛ كما شهدت الملاعب العالمية فاجعة هزّت الوسط الرياضي العالمي، بوفاة لاعب نادي تينيريفي الإسباني “خيسوس دي ميغيل”، البالغ من العمر 30 عاماً، بعد اصطدامه بحارس مرمى نادي أندورا خلال مباراة في دوري الدرجة الثانية الإسباني.

كان اللاعب ينافس على كرة مشتركة، فاندفع الحارس باتجاهه ووقع الاصطدام العنيف، وأصيب اللاعب بتوقف قلبي، ونُقل إلى المستشفى بعد تدخل الطواقم الطبية، لكنه فارق الحياة لاحقاً. وقد فتحت السلطات الإسبانية تحقيقاً في الحادثة.

لا شك أن كرة القدم الحديثة أصبحت أسرع وأكثر قوة من الناحية البدنية؛ فاللاعب يركض لمسافات طويلة، وينفذ انطلاقات سريعة، ويدخل في صراعات بدنية واحتكاكات قد تكون عنيفة. لكن الخطورة لا تكمن دائماً في قوة اللاعب أو سرعة أدائه، فقد تكون لحظة اصطدام واحدة كافية لإحداث إصابة خطيرة في الرأس أو الرقبة أو الصدر، وربما عواقب لا يمكن تداركها.

والأخطر أن بعض الإصابات لا تعطي إنذاراً واضحاً بحجم خطورتها؛ فقد يبدو سقوط اللاعب عادياً في الثواني الأولى، بينما تكون الإصابة أكثر تعقيداً مما يتصور المحيطون به.

وهنا ينبغي ألا نحصر تفكيرنا في الكسور والتمزقات والإصابات العضلية التي اعتدنا التعامل معها في مجال التأهيل الرياضي، بل علينا أن نضع في الحسبان إصابات الدماغ، والنزيف الداخلي، والتوقف القلبي المفاجئ، والإصابات الرضّية التي قد تهدد حياة اللاعب.

دراسة علمية تشير إلى أنه تم رصد 617 حالة وفاة مفاجئة أو توقف قلبي نجا منه اللاعب أثناء اللعب أو خلال الساعة التالية، والذين نجوا منهم 142 لاعباً أي نحو 23% من مجموع الحالات خلال عامي 2014 إلى 2018.

إن الأسباب القلبية كانت حاضرة بقوة، ومن النتائج المهمة أيضاً أن فرص النجاة تحسنت بصورة كبيرة عند استخدام جهاز إزالة الرجفان القلبي الآلي (AED) مع الإنعاش القلبي الرئوي بواسطة طاقم مدرّب؛ إذ بلغت نسبة النجاة 85%، مقارنة بنحو 35% دون استخدام الجهاز في المقارنة التي أوردتها الدراسة.

الأرقام تؤكد أن الاستعداد الطبي السريع يشكل فارقاً بين الحياة والموت، خاصة أن 50% من الإصابات بمختلف أنواعها تشكل النصف الساعة الأولى منها عامل الحسم للعلاج أو التفاقم وحتى الموت.

إن أسباب الإصابات عديدة، فهل نحن أمام مرحلة توفير واقيات مرنة لحماية رأس أو رقبة أو صدر اللاعب من خلال ملابس رياضية ذكية تستشعر شدة الاصطدام وتنقل إنذاراً إلى الطاقم الطبي؟ رغم أن كل ذلك لا يمنع حالات داخلية من النزيف الداخلي أو التوقف القلبي في حال عدم إعداد اللاعب بالصورة المثلى للمباريات.

إن حماية اللاعبين لا تتحقق بوسائل الحماية وحدها، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الفحص الطبي والوقاية القلبية، والتجهيز الطبي داخل الملعب بوجود طبيب أو طاقم طبي مؤهل، وجهاز إزالة الرجفان القلبي الآلي AED، وتجهيزات الإسعاف والإنقاذ مع معرفة مسبقة بأقرب مستشفى ووسائل النقل الإسعافي. كما تتطلب عدم الاستهانة بأي اصطدام، وإخراج اللاعب عند الاشتباه بارتجاج الدماغ وعدم السماح له بالعودة إلى اللعب قبل التقييم الطبي؛ فبعض الأعراض قد تظهر بعد ساعات من الإصابة، وقد تتأخر حتى 72 ساعة. يرافق ذلك التشدد في التدخلات العنيفة، ومراجعة حالات الالتحام الخطرة، وتوفير الحماية اللازمة للاعبين أثناء الكرات المشتركة والهوائية، والاهتمام بتقوية العضلات، والتوازن، والتوافق العصبي العضلي، والتحكم الحركي، وتدريب اللاعبين على تقنيات الحركة والهبوط الآمن، مع التأكيد أن هذه التدريبات تقلل بعض مخاطر الإصابات، لكنها لا تضمن منع الحوادث القاتلة. إضافة إلى تدريب اللاعبين والمدربين والإداريين والحكام على الإنعاش القلبي الرئوي، والتعامل الأولي مع حالات فقدان الوعي والإصابات الخطيرة، وعدم ترك اللاعب المصاب دون تدخل منظم، كعوامل مهمة لتفادي حالات خطيرة.

كما وضع الـ FIFA بروتوكولات خاصة للتعامل مع الحالات الطارئة داخل الملاعب، من بينها خطة الاستجابة الطبية قبل المباراة التي تحدد أدوار أفراد الفريق الطبي وكيفية التعامل مع التوقف القلبي وإصابات الرقبة والرأس والحوادث الطارئة.

وهذا يعني أن الاستجابة لا ينبغي أن تكون ارتجالية، بل يجب أن تكون مخططة ومجربة مسبقاً، بحيث يعرف كل فرد ما عليه فعله عند وقوع الحادث.

ومن الضروري أن تتبنى الاتحادات الوطنية والأندية هذه المعايير، وأن تتوفر متطلبات السلامة في الملاعب الكبيرة والصغيرة، وفي المباريات الرسمية والتدريبات على حد سواء؛ فليس من المقبول أن تتوفر الملايين لتعاقدات اللاعبين، ولا تتوفر الإمكانات الأساسية لإنقاذ حياتهم عند الضرورة.

لقد تعلمنا من كرة القدم حب المنافسة، والروح الرياضية، والانتصار، لكننا لم نتعلم يوماً أن تكون حياة اللاعب ثمناً لمباراة، أو أن تتحول لحظة من لحظات التنافس إلى مأساة تترك عائلة وجماهير في حالة حزن لا ينتهي. إن هذه الحادثة المفجعة مناسبة لإعادة النظر في إجراءات السلامة الطبية داخل ملاعبنا ومدى الاستعداد لمواجهة الحالات الطارئة.

فليس أجمل من أن تنتهي المباراة بفرحة الفوز، وليس أقسى من أن تنتهي بفقدان حياة، أو حالة نفسية سيئة جداً مثل الحارس الذي تسبب في وفاة “خيسوس” والإجراءات التي تطالب الجماهير والجهات باتخاذها ضده فيما يُسمى لدينا “قضاء وقدر”.

إن كرة القدم لعبة للحياة… فلا ينبغي أن تصبح سبباً في فقدانها.

الأكاديمية الرياضية العراقية

اشترك في نشرة الأكاديمية الرياضية العراقية

أحدث البحوث والمقالات والدورات والفعاليات العلمية الرياضية، تصلك مباشرة إلى بريدك.


اكتشاف المزيد من الاكاديمية الرياضية العراقية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركونا تعليقاتكم حول الموضوع،،

تابعونا عبر البريد الالكتروني
تابعونا عبر LinkedIn
تابعونا عبر LinkedIn
Share